عماد قيدة  يفوز بجائزة «خالد خليفة للرواية»:  "المنصرمون"... وتشريح ركود ما بعد الثورة

 

ما بين ارتسامات الراهن وانكساراته وشواهد

القرن التاسع عشر في تونس، لا يبحث الكاتب التونسي عماد قيدة عن رثاء ماضٍ مرّ، انمّا يعيد تشريح ركود ما بعد الثورة وانهيار المؤسسات بلغة سردية حادة تبتعد عن البلاغة التقليدية المفرطة. هذا الاشتباك الروائي الجريء بين التاريخ المتخيل والوثيقة، جعل عمله الأول «المنصرمون» يحصد جائزة «خالد خليفة للرواية» في دورتها الثانية لعام 2026.

 في الساعات الأخيرة، أعلنت الأمانة العامة لجائزة خالد خليفة للرواية فوز رواية "المنصرمون" من تونس بالجائزة المخصصة للعمل الروائي الأول، والبالغة قيمتها ألف دولار أميركي.

 اشتباك بين زمنين

 يأتي فوز "المنصرمون" احتفاء بقدرة الأدب على إعادة مساءلة التاريخ وقراءة الحاضر من زوايا جديدة. فالرواية، كما تكشفها حيثيات الجائزة، لا تنشغل بتسجيل الوقائع بقدر ما تسعى إلى فهم ما تركته التحولات الكبرى من آثار في الإنسان والمجتمع.

لا تكتفي "المنصرمون" بسرد حكاية فردية، بل تنفتح على مساحة أوسع تستحضر التاريخ السياسي والاجتماعي لتونس، من القرن التاسع عشر إلى مرحلة ما بعد الثورة. ومن خلال شخصيات واقعية ومتخيلة، ترسم الرواية صورة مجتمع يعيش تحولات عميقة، حيث تتجاور الآمال الكبرى مع خيبات الواقع.

وتتابع الرواية رحلة بطلها في مواجهة ركود ما بعد الثورة، وانهيار المؤسسات، وتفكك المنظومة القيمية، والشعور المتنامي بالاغتراب الإنساني. كما تتوقف عند قضايا الحرية وأسئلتها المعقدة، دون أن تغفل مساحات الحب والتعاطف الإنساني التي تبدو بمثابة مقاومة يومية لقسوة الواقع وشحه.

 عماد قيدة وكواليس كتابة "المنصرمون"

 عن دوافع  كتابة  رواية "المنصرمون" ،  يقول عماد قيدة : "بدأت العمل على رواية "المنصرمون" في جويلية 2018 وانتهيت منه أوائل السنة الجارية، وخلال هذه الرحلة تغيّر وجه العمل مرات عديدة، ودخلت شخصيات جديدة على الخط وانسحبت أخرى، وتركّزت كاميرا المخرج على أحداث وأسقطت أخرى. لكن الهم الأول الذي دفعني لكتابتها بقي نفسه: كيف نعيد الاعتبار لليومي والبسيط والتافه في حياة الإنسان المعاصر وننتصر له في مواجهة زعيقالأحداث الكبرى بخطاباتها وتجاذباتها الأيديولوجية ولامبالاتها حيال تطلّعات الفرد المنسحق، خاصة في مجتمعاتنا العربية.

هي حكاية عائلة تفككت بتفكك بلد بعد ما عاشه من هبة شعبية، فسافر بعض أفرادها إلى بعيد، بحثا عن مستقبل أكثر اتزانا واحتراما للذات البشرية، بينما غاص بعضهم الآخر في الماضي، في تاريخ العائلة السحيق، علّهم يعثرون على سبب اللوثة النفسية التي توارثوها جيلا بعد جيل."

 بنية سردية مركبة

 عن "المنصرمون"  قالت  لجنة التحكيم :"إنّ الرواية تتمتع ببنية مركبة، وتستخدم تقنيات متعددة ومتداخلة ـ أصوات لشخصيات مختلفة، ووثائق حقيقية ومتخيلة، وتنوع في تخييل الأزمنة والأمكنة والشخصيات، ومراجع... لكنها مع كل ذلك التركيب، وربما بسببه، لا تخلو من تشويق حقيقي يدفعنا لمتابعة رحلة البطل بتداخلاتها الزمانية والمكانية وبالشخوص الكثيرين الذين مروا في حياته وحياة تونس، على المستويات الشخصية والوطنية والوجودية".

وقد ترأست لجنة التحكيم الروائية الفلسطينية ليانة بدر، وضمّت في عضويتها الروائية والناقدة السورية الدكتورة شهلا العجيلي، والناقد المصري الدكتور خيري دومة أستاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة.

وكانت اللجنة قد اختارت خمس روايات للقائمة القصيرة بعد مداولات وصفتها الأمانة العامة بالمكثفة والغنية، وهي: "منافٍ قريبة" للبناني إبراهيم عدنان ياسين، و"ميم طاء عين" للعراقي عمر العزاوي، و"دماء مغسولة" للمصري مدحت صالح، و"أن يُبنى على تراب" للسورية مي محمود محمد، إلى جانب الرواية الفائزة "المنصرمون".

 جائزة تحتفي بالبدايات الروائية

 تُمنح جائزة خالد خليفة للرواية سنويا للروائيين العرب أصحاب العمل الروائي الأول غير المنشور سابقا، بهدف دعم الأصوات الجديدة وتشجيعها على مواصلة الكتابة والإبداع.

وقد أُطلقت الجائزة بمبادرة من أصدقاء خالد خليفة تخليدا لاسمه وإرثه الأدبي. واستلهاما للقيم التي دافع عنها في أعماله، وفي مقدمتها حرية التعبير والانتصار للإنسان ومواجهة أشكال الظلم والتهميش.

ومن المنتظر أن يُكرَم الفائز عماد علي قيدة خلال احتفالية خاصة بمدينة اللاذقية السورية يوم 30 سبتمبر الجاري، تزامنا مع الذكرى السنوية لرحيل صاحب "مديح الكراهية" و"لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة"...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115